محمد هادي معرفة
21
التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء
من المتشابه ما لا يعلمه أحد من الأمّة - لا النبي الكريم ولا سائر علماء الأمة جميعا - وإنّما هي لمجرّد أن تقع ألعوبة في يد المشعوذين الذين في قلوبهم زيغ ، ولا رادّ لهم عن غيّهم الفظيع ، ليصبحوا مطلقي السراح في إضلال الناس والإفساد في الأرض ! ! قال الراغب في مقدمة تفسيره : « وذهب عامّة المتكلّمين إلى أنّ كلّ القرآن يجب أن يكون معلوما ، وإلّا لأدّى إلى بطلان فائدة الانتفاع به ، وحملوا قوله : وَالرَّاسِخُونَ أنّه عطف على قوله : إِلَّا اللَّهُ » « 1 » . وقال أبو جعفر الطبري : « إنّ جميع ما أنزل اللّه من آي القرآن على رسوله صلّى اللّه عليه واله فإنّما أنزله عليه بيانا له ولأمّته وهدى للعالمين ، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه ، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه حاجة ، ثمّ لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل » « 2 » . قال مجاهد : « عرضت المصحف على ابن عبّاس من أوّله إلى آخره ، أقفه عند كلّ آية وأسأله عنها ، وكان يقول : أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله » « 3 » . وهكذا ذهب الإمام أبو الحسن الأشعري إلى وجوب العطف ، وأنّ الوقف على وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، قال : « لأنّهم يعلمون تأويل المتشابه » . وقد أوضح هذا الرأي وانتصر له أبو إسحاق الشيرازي بقوله : « ليس شيء استأثر اللّه بعلمه ، بل وقف العلماء عليه ؛ لأنّ اللّه تعالى أورد هذا مدحا للعلماء ، فلو كانوا لا يعرفون معناه لشاركوا العامّة » « 4 » . وقال الإمام البيضاوي : « مدح اللّه الراسخين في العلم بجودة الذهن وحسن النظر ،
--> ( 1 ) . مقدّمة جامع التفاسير للراغب : 86 . ( 2 ) . جامع البيان 3 : 116 . ( 3 ) . راجع تفسير المنار 3 : 182 . ( 4 ) . راجع المباحث لصبحي الصالح : 282 .